azzam
05-04-2008, 01:34 AM
د. صلاح فضل يري أن «المدونات» هي التجلي الأخير للتعبير ..كل آليات السلطة تقـود إلي التوريث وتلك هي الخدعة الساذجة
حوار شارل فؤاد المصري ٢٦/٤/٢٠٠٨
[ د. صلاح فضل]
د. صلاح فضل
الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل، أستاذ الفلسفة والنقد، حزين علي ما وصلت إليه أحوال مصر والمصريين، ومتشائم تجاه منظومة التعليم، ويقول إنها يمكن أن تنقذ مصر إذا تم إصلاحها بشكل منهجي وسريع.
ويري أن الخطاب الحكومي الرسمي يثير الضحك والسخرية، وأن مسألة الحفاظ علي نسبة العمال والفلاحين في مجلس الشعب مسألة مضحكة. الدكتور فضل يؤكد أن التجربة النهضوية العربية بدأت من مصر، وأرست قواعد متينة جدًا لتطور واعد في الحياة السياسية والفكرية والإبداعية.
وأكد في الحوار الذي أجريناه معه علي هامش فعاليات توزيع جائزة الشيخ زايد للكتاب في أبوظبي، أن النظام لم يدرك أهمية العلم ولا يستطيع إعطاءه الأولوية.
وإلي الحوار:
* ما هو تفسيركم للمشهد الثقافي والسياسي المصري؟
- المشهد الثقافي المصري يمكن تلخيصه في اللقطات التالية:
الأولي: أنه بكل ايجابياته وسلبياته لدينا تراكم ثقافي مصري وعربي علي مر العقود مع بعض الفجوات، التي كنا نحلم بألا تشوه وضعنا الثقافي العام، وأبرز هذه الفجوات في تقديري أن التجربة النهضوية العربية التي بدأت في مصر أرست قاعدة متينة جدًا لتطور واعد في الحياة السياسية والفكرية وإلابداعية والعلمية،
هذا التطور انتابته بعض التقلصات والتوترات التي أعاقت نموه، حيث تدخل رجال الثورة بحسن نية ووطنية عالية ورغبة في تسريع إيقاع التطور المصري، ورفعوا شعارًا محددًا في بدايتها، وهو تأسيس وإرساء الديمقراطية المصرية، ثم لم تف الثورة علي الإطلاق بهذا الوعد، ولم تأخذه جديا فقطعت تطور مصر الحضاري الليبرالي السابق عليها لمدة ما يربو علي ٥٠ عامًا، أنجزت في جزء منه قدراً من تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنصاف الفقراء في الفترة الناصرية،
وتحقيق قدر من السلم المرير الموجع في الفترة الساداتية، وتحقيق تجمد مذهل عبر قرابة ثلاثة عقود في فترة مبارك، لكنها انتهت بنا إلي أن دولاً كثيرة بدأت معنا تجربتها الديمقراطية، مثل الهند مثلاً، انضجتها بدون تدخل مؤسسة ما وبطريقة طبيعية، وحققت طفرة عظيمة في مستويات أخري لانزال ندور في فراغ دون أن نحقق جزءاً منها.
علي المستوي الثقافي.. نجد أننا كنا قد شرعنا بالفعل في تبني التفكير العلمي في مصر وعمل نهضة وعدت بتحقيق إنجاز فعلي في المؤسسات العلمية والجامعة المصرية وبمراكز البحث بطموحات العلماء في الذرة والنبات والكيمياء والطبيعة.
العقل المصري خصب وخلاق إلي أبعد مدي في حين أن النظام لم يدرك أهمية العلم، ولا يستطيع أن يعطيه أولوية، فكانت النتيجة أن نصف القرن الأخير تأخرت مصر علميا بشكل مهين ومخجل. عندنا بنك للذكاء المصري للعلوم، لكن الذين تحققوا في المواهب هم من هاجروا،
الذين اضافوا للمعرفة البشرية في الكيمياء والطب والفلك وفي مجالات إنسانية متعددة هم الذين هربوا من طاحونة البيروقراطية المصرية ومن مؤسساتها، ومن إهمال الإبداع العلمي وتقزيمه وتهميشه والاكتفاء بصرف رواتب الباحثين دون اعطائهم القوة الدافعة المعنوية ودون استثمار طاقاتهم، والتعليم في مصر أصيب في مقتل، وإننا بحاجة إلي عصر جديد نستطيع فيه أن نستأنف مسيرتنا الحضارية.
* قلت: التعليم أصيب في مقتل، أين نحن من منظومة التعليم العربي وكيف نسترد وضعنا في التعليم؟
- أولاً: لابد أن نذكر أن منظومة التعليم العربي بدأت من مصر، لا من الجامعة المصرية وحدها التي تعلم فيها أبناء الأجيال الأولي من المثقفين والمهنيين العرب، ولكن من مجموعة البعثات العلمية التي كانت تمولها مصر وترسلها لشقيقاتها العربيات وكان هذا واجبها، حدثت بعد ذلك الثورة النفطية واختلفت الأوضاع الاقتصادية، وظل المدرسون والأساتذة المصريون والمهنيون يقومون بواجبهم الحقيقي في إنشاء نهضة تعليمية ومهنية في الأقطار العربية، ثم انضمت اليهم فرق أخري من المغرب العربي،
ومن بعض أقطار المشرق العربي ومنها فلسطين والشام، والمغرب وتونس، وأصبح الدور المصري منخرطا في الدور العربي الأم لكن نظم التعليم العربية وبوفرة المال النفطي استطاعت أن تنشئ مؤسسات نموذجية حافظت علي مستوي التعليم فيها مع ضعف الإمكانات البشرية، فظل التعليم في مراحله المختلفة من الابتدائي إلي التعليم الجامعي تعليما حقيقيا.
* والسؤال هنا ماذا حدث في مصر؟
- حدث أن الثورة أكملت وعد حكومات ليبرالية سابقة جعلت التعليم في عهد طه حسين في مطلع عام ٤٩ و٥٠ في وزارة الوفد مثل الماء والهواء في الالزامي والابتدائي والثانوي، ومددت ذلك إلي المرحلة الجامعية دون أن تكفل التمويل اللازم للرقي بالتعليم الجامعي والتوسع فيه،
والإنفاق عليه، فكانت النتيجة التوسع العرضي وقبول مئات الآلاف من الطلبة، دون بنية علمية صحيحة، فأصبح التعليم الجامعي صوريا إلي حد بعيد، وتدهور مستواه، لأن التعليم بمقدار ما تنفق عليه لا في المعامل والمدرجات.
* كيف تقيم الخطاب الرسمي الحكومي في مصر؟
- بلا شك الخطاب الرسمي الحكومي في مصر خطاب يثير الضحك والسخرية، لأنه في الوقت الذي يضرب فيه في الصميم حق الطبقات الفقيرة في المشاركة في السياسة والحكم، بل حق كل الطبقات إلا الطبقة السلطوية فقط، في المشاركة في الحكم، يجد أنه من المقدس أن يحافظ علي نسبة العمال والفلاحين في مجلس الشعب، وهي مسألة مضحكة إلي أبعد مدي. أنت تحرم الكل، وليس العمال والفلاحين فقط، من المشاركة الحقيقية.
أنت تحرم الجميع تماما وتستأثر بكل خيوط السلطة في كل مستوياتها، لكنك تحافظ علي هذا الشعار، تحافظ علي شعار مجانية التعليم ثم لا تنفق ميزانية التعليم.
ونحن حتي الآن لا نعطي التعليم إلا الفتات وبشكل مظهري، ولا نستطيع أن نعالج التشوهات الحقيقية.
* ما السبيل إلي ذلك؟
- السبيل الوحيد في تقديري هو أن تستأنف مصر تجربتها الديمقراطية بإعادة حرية تشكيل الأحزاب، وإعادة الحياة النيابية الحقيقية دون كل التشوهات التي أدخلتها إلي مصر، بتداول السلطة، بانتخاب حكومة تكون قادرة علي إجراء عمليات جراحية ضرورية للمستقبل.
* هناك سوء تنظيم لمنظومة الذكاء المصري؟ ما هو تعليقكم؟
- يكفي أن نتذكر فقط أنه لا يوجد بلد في العالم يطبق سياسة مكتب التنسيق، هذه عدالة شكلية أنتجها عقل تعود علي الضبط والربط في المظاهر فقط. نحن قسمنا الكليات طبقًا لاعتبارات طبقية واجتماعية ومهنية إلي مستويات كليات القمة، ومستويات كليات القاعدة،
وكخريجين في الثانوية العامة دفعنا بالأمور عن طريق ثقافة مجتمعية ومكتب التنسيق وسلوك حكومي وشعبي إلي أن يدخل كليات القمة من يريد أن يتخصص في الطب، ومن يريد أن يتخصص في الهندسة والصيدلة، أي الكليات العملية،
ثم جعلنا الكليات النظرية مثل الحقوق والآداب والكليات التي تفرز حكامنا والقابضين علي السلطة لأنصاف الأذكياء والمتخلفين عقليا. معني ذلك أنه علي مدي أربعين عامًا من تطبيق هذا النظام أصبح توزيع الطاقات البشرية علي التخصصات المختلفة في بلدنا مختلا، ومن ذهبوا إلي كليات القمة - وهذه كارثة - يمكن أن يبرعوا جدًا في تخصصاتهم المهنية في الطب والهندسة وغيرهما،
لكن أساس معرفتهم الإنسانية قاصر ومحدود فتكون النتيجة أن دخلت عقولهم بسهولة شديدة فيروسات التعصب الديني والتطرف لأنه تنقصهم هذه المعرفة المؤسسة للوعي البشري، ومن يظلون في الكليات التي تقبل مجموعات محدودة لا ننتظر منهم نوابغ مثلاً، ومنهم المشرعون، والمعلمون الذين يربون الأطفال، متواضعو الذكاء، وكيف نطلب من معلم أو مشرع أو مشتغل بالاجتماع محدود الذكاء أن يقوي علي اكتشاف طاقات الذكاء لدي الآخرين.
في نهاية الأمر لابد أن ندرك أن مصر ليست جزيرة معزولة عن العالم، وأن العقل المصري ليس أعجوبة في زمانه ولسنا قردة، ولكن ما جربته الدول الأخري في توزيع منظومات ذكائها علي التخصصات المختلفة، من ناحية مراعاة المواهب والاتجاهات والاختلافات والقدرات المادية والمعنوية، لابد أن نبدأ بتجربته مرة أخري لدينا لكي نصحح هذا الخلل في توزيع الذكاء المصري علي خارطة التخصصات المختلفة، سيقال الحجة التي يرفعها القائمون علي هذا النظام أن هذا يضمن نوعا من العدالة لكنني أقول إنها عدالة غبية وقاتلة.
حوار شارل فؤاد المصري ٢٦/٤/٢٠٠٨
[ د. صلاح فضل]
د. صلاح فضل
الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل، أستاذ الفلسفة والنقد، حزين علي ما وصلت إليه أحوال مصر والمصريين، ومتشائم تجاه منظومة التعليم، ويقول إنها يمكن أن تنقذ مصر إذا تم إصلاحها بشكل منهجي وسريع.
ويري أن الخطاب الحكومي الرسمي يثير الضحك والسخرية، وأن مسألة الحفاظ علي نسبة العمال والفلاحين في مجلس الشعب مسألة مضحكة. الدكتور فضل يؤكد أن التجربة النهضوية العربية بدأت من مصر، وأرست قواعد متينة جدًا لتطور واعد في الحياة السياسية والفكرية والإبداعية.
وأكد في الحوار الذي أجريناه معه علي هامش فعاليات توزيع جائزة الشيخ زايد للكتاب في أبوظبي، أن النظام لم يدرك أهمية العلم ولا يستطيع إعطاءه الأولوية.
وإلي الحوار:
* ما هو تفسيركم للمشهد الثقافي والسياسي المصري؟
- المشهد الثقافي المصري يمكن تلخيصه في اللقطات التالية:
الأولي: أنه بكل ايجابياته وسلبياته لدينا تراكم ثقافي مصري وعربي علي مر العقود مع بعض الفجوات، التي كنا نحلم بألا تشوه وضعنا الثقافي العام، وأبرز هذه الفجوات في تقديري أن التجربة النهضوية العربية التي بدأت في مصر أرست قاعدة متينة جدًا لتطور واعد في الحياة السياسية والفكرية وإلابداعية والعلمية،
هذا التطور انتابته بعض التقلصات والتوترات التي أعاقت نموه، حيث تدخل رجال الثورة بحسن نية ووطنية عالية ورغبة في تسريع إيقاع التطور المصري، ورفعوا شعارًا محددًا في بدايتها، وهو تأسيس وإرساء الديمقراطية المصرية، ثم لم تف الثورة علي الإطلاق بهذا الوعد، ولم تأخذه جديا فقطعت تطور مصر الحضاري الليبرالي السابق عليها لمدة ما يربو علي ٥٠ عامًا، أنجزت في جزء منه قدراً من تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنصاف الفقراء في الفترة الناصرية،
وتحقيق قدر من السلم المرير الموجع في الفترة الساداتية، وتحقيق تجمد مذهل عبر قرابة ثلاثة عقود في فترة مبارك، لكنها انتهت بنا إلي أن دولاً كثيرة بدأت معنا تجربتها الديمقراطية، مثل الهند مثلاً، انضجتها بدون تدخل مؤسسة ما وبطريقة طبيعية، وحققت طفرة عظيمة في مستويات أخري لانزال ندور في فراغ دون أن نحقق جزءاً منها.
علي المستوي الثقافي.. نجد أننا كنا قد شرعنا بالفعل في تبني التفكير العلمي في مصر وعمل نهضة وعدت بتحقيق إنجاز فعلي في المؤسسات العلمية والجامعة المصرية وبمراكز البحث بطموحات العلماء في الذرة والنبات والكيمياء والطبيعة.
العقل المصري خصب وخلاق إلي أبعد مدي في حين أن النظام لم يدرك أهمية العلم، ولا يستطيع أن يعطيه أولوية، فكانت النتيجة أن نصف القرن الأخير تأخرت مصر علميا بشكل مهين ومخجل. عندنا بنك للذكاء المصري للعلوم، لكن الذين تحققوا في المواهب هم من هاجروا،
الذين اضافوا للمعرفة البشرية في الكيمياء والطب والفلك وفي مجالات إنسانية متعددة هم الذين هربوا من طاحونة البيروقراطية المصرية ومن مؤسساتها، ومن إهمال الإبداع العلمي وتقزيمه وتهميشه والاكتفاء بصرف رواتب الباحثين دون اعطائهم القوة الدافعة المعنوية ودون استثمار طاقاتهم، والتعليم في مصر أصيب في مقتل، وإننا بحاجة إلي عصر جديد نستطيع فيه أن نستأنف مسيرتنا الحضارية.
* قلت: التعليم أصيب في مقتل، أين نحن من منظومة التعليم العربي وكيف نسترد وضعنا في التعليم؟
- أولاً: لابد أن نذكر أن منظومة التعليم العربي بدأت من مصر، لا من الجامعة المصرية وحدها التي تعلم فيها أبناء الأجيال الأولي من المثقفين والمهنيين العرب، ولكن من مجموعة البعثات العلمية التي كانت تمولها مصر وترسلها لشقيقاتها العربيات وكان هذا واجبها، حدثت بعد ذلك الثورة النفطية واختلفت الأوضاع الاقتصادية، وظل المدرسون والأساتذة المصريون والمهنيون يقومون بواجبهم الحقيقي في إنشاء نهضة تعليمية ومهنية في الأقطار العربية، ثم انضمت اليهم فرق أخري من المغرب العربي،
ومن بعض أقطار المشرق العربي ومنها فلسطين والشام، والمغرب وتونس، وأصبح الدور المصري منخرطا في الدور العربي الأم لكن نظم التعليم العربية وبوفرة المال النفطي استطاعت أن تنشئ مؤسسات نموذجية حافظت علي مستوي التعليم فيها مع ضعف الإمكانات البشرية، فظل التعليم في مراحله المختلفة من الابتدائي إلي التعليم الجامعي تعليما حقيقيا.
* والسؤال هنا ماذا حدث في مصر؟
- حدث أن الثورة أكملت وعد حكومات ليبرالية سابقة جعلت التعليم في عهد طه حسين في مطلع عام ٤٩ و٥٠ في وزارة الوفد مثل الماء والهواء في الالزامي والابتدائي والثانوي، ومددت ذلك إلي المرحلة الجامعية دون أن تكفل التمويل اللازم للرقي بالتعليم الجامعي والتوسع فيه،
والإنفاق عليه، فكانت النتيجة التوسع العرضي وقبول مئات الآلاف من الطلبة، دون بنية علمية صحيحة، فأصبح التعليم الجامعي صوريا إلي حد بعيد، وتدهور مستواه، لأن التعليم بمقدار ما تنفق عليه لا في المعامل والمدرجات.
* كيف تقيم الخطاب الرسمي الحكومي في مصر؟
- بلا شك الخطاب الرسمي الحكومي في مصر خطاب يثير الضحك والسخرية، لأنه في الوقت الذي يضرب فيه في الصميم حق الطبقات الفقيرة في المشاركة في السياسة والحكم، بل حق كل الطبقات إلا الطبقة السلطوية فقط، في المشاركة في الحكم، يجد أنه من المقدس أن يحافظ علي نسبة العمال والفلاحين في مجلس الشعب، وهي مسألة مضحكة إلي أبعد مدي. أنت تحرم الكل، وليس العمال والفلاحين فقط، من المشاركة الحقيقية.
أنت تحرم الجميع تماما وتستأثر بكل خيوط السلطة في كل مستوياتها، لكنك تحافظ علي هذا الشعار، تحافظ علي شعار مجانية التعليم ثم لا تنفق ميزانية التعليم.
ونحن حتي الآن لا نعطي التعليم إلا الفتات وبشكل مظهري، ولا نستطيع أن نعالج التشوهات الحقيقية.
* ما السبيل إلي ذلك؟
- السبيل الوحيد في تقديري هو أن تستأنف مصر تجربتها الديمقراطية بإعادة حرية تشكيل الأحزاب، وإعادة الحياة النيابية الحقيقية دون كل التشوهات التي أدخلتها إلي مصر، بتداول السلطة، بانتخاب حكومة تكون قادرة علي إجراء عمليات جراحية ضرورية للمستقبل.
* هناك سوء تنظيم لمنظومة الذكاء المصري؟ ما هو تعليقكم؟
- يكفي أن نتذكر فقط أنه لا يوجد بلد في العالم يطبق سياسة مكتب التنسيق، هذه عدالة شكلية أنتجها عقل تعود علي الضبط والربط في المظاهر فقط. نحن قسمنا الكليات طبقًا لاعتبارات طبقية واجتماعية ومهنية إلي مستويات كليات القمة، ومستويات كليات القاعدة،
وكخريجين في الثانوية العامة دفعنا بالأمور عن طريق ثقافة مجتمعية ومكتب التنسيق وسلوك حكومي وشعبي إلي أن يدخل كليات القمة من يريد أن يتخصص في الطب، ومن يريد أن يتخصص في الهندسة والصيدلة، أي الكليات العملية،
ثم جعلنا الكليات النظرية مثل الحقوق والآداب والكليات التي تفرز حكامنا والقابضين علي السلطة لأنصاف الأذكياء والمتخلفين عقليا. معني ذلك أنه علي مدي أربعين عامًا من تطبيق هذا النظام أصبح توزيع الطاقات البشرية علي التخصصات المختلفة في بلدنا مختلا، ومن ذهبوا إلي كليات القمة - وهذه كارثة - يمكن أن يبرعوا جدًا في تخصصاتهم المهنية في الطب والهندسة وغيرهما،
لكن أساس معرفتهم الإنسانية قاصر ومحدود فتكون النتيجة أن دخلت عقولهم بسهولة شديدة فيروسات التعصب الديني والتطرف لأنه تنقصهم هذه المعرفة المؤسسة للوعي البشري، ومن يظلون في الكليات التي تقبل مجموعات محدودة لا ننتظر منهم نوابغ مثلاً، ومنهم المشرعون، والمعلمون الذين يربون الأطفال، متواضعو الذكاء، وكيف نطلب من معلم أو مشرع أو مشتغل بالاجتماع محدود الذكاء أن يقوي علي اكتشاف طاقات الذكاء لدي الآخرين.
في نهاية الأمر لابد أن ندرك أن مصر ليست جزيرة معزولة عن العالم، وأن العقل المصري ليس أعجوبة في زمانه ولسنا قردة، ولكن ما جربته الدول الأخري في توزيع منظومات ذكائها علي التخصصات المختلفة، من ناحية مراعاة المواهب والاتجاهات والاختلافات والقدرات المادية والمعنوية، لابد أن نبدأ بتجربته مرة أخري لدينا لكي نصحح هذا الخلل في توزيع الذكاء المصري علي خارطة التخصصات المختلفة، سيقال الحجة التي يرفعها القائمون علي هذا النظام أن هذا يضمن نوعا من العدالة لكنني أقول إنها عدالة غبية وقاتلة.